lمفهوم التاريخ عند العروي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

lمفهوم التاريخ عند العروي

مُساهمة من طرف MOHAMED BALLAJ في الخميس أبريل 05, 2012 11:20 am

قراءة في كتاب " مفهوم التاريخ " – الجزء الأول

ذ . عبدالله العروي



مدخل:

لا أحد يجادل في قيمة المفكر المغربي عبد الله العروي على الصعيدين: المغربي, والعربي والدولي.فقد انطلقت شهرته من كتابه الشهير" الإيديولوجيا العربية المعاصرة" الصادر باللغة الفرنسية في السبعينيات. وازداد شهرة بفضل ترجمته إلى العربية, ثم ما فتئ يصدر كتابا تلو الآخر تأليفا وترجمة, وكانت المفاهيم آخر أعماله, إضافة إلى أعمال فكرية وأدبية أخرى.

يعتبر العروي مفكرا عقلانيا طبع حقبة تمتد عقودا من الزمن في تاريخ الفكر المغربي المعاصر, بل والعربي عموما. له إطلاع عميق على المناهج الحديثة في العلوم الإنسانية, وله أبحاث في التاريخ والنقد الإيديولوجي, وفلسفة التاريخ. وله اهتمام بالآداب وخاصة الرواية, ولعل ما ساعده على ضبط واستيعاب الفكر الأوروبي في عمقه وجوهره: هو إتقانه للغات أجنبية بما فيها بعض اللغات الشرقية كالروسية والرومانية… مع العلم انه يتقن ويجيد الترجمة من الفرنسية إلى العربية والعكس, وله في الترجمة والتعريب آراء ونظريات.

يمثل العروي نوعا من المثقفين العقلانيين الذين يحملون هما إصلاحيا ويرومون تحقيقه في بلدانهم بسبب عيشه فترة طويلة في فرنسا, وإطلاعه على ثقافة الآخر في أحدث مستجداتها . كما يعد واحدا من المثقفين التقدميين في المغرب والعالم العربي, بل وفي العالم الثالث عموما الذين أخفقوا في تحقيق مشروع التغيير في واقع يتسم بالتخلف على جميع الأصعدة.

أهم ما يميز أعمال العروي التاريخية والفكرية, الصرامة المنطقية في التحليل, والأسلوب العلمي الرصين, والحفر المعرفي والعلمي العميق. حتى اعتبر من الموسوعيين القلائل الذين ينتجون أفكارا ونظريات ويستميتون في الدفاع عنها.

ü العروي ( المفكر والمنظر)

انشغل العروي بالقضايا الكبرى الوطنية والقومية والفكرية كالديمقراطية, والعلمانية, والاشتراكية

والليبرالية,والعقلانية,والحداثة... انشغالا عميقا مهموما بالمشاكل التي تواجه الإنسانية وتحتاج إلى التجاوز والحل, كما انشغل بالمفاهيم تدقيقا وتفكيكا وتحليلا قبل الاستعمال" هادفا إلى توضيح الآليات المعرفية لاستخدامها في العرض والتقرير كعمل تمهيدي ضروري كي يحصل الفهم والتفاهم" وفي هذا الاتجاه سارت كل كتاباته النظرية منها والمفاهيمية. ومن بين أعماله في هذا المجال يمكن الاقتصار على كتابه " الايديولوجيا العربية المعاصرة" التي تبرز جانبا من أفكاره ونظرياته والتي تتقاطع مع أعماله الأخرى: " العرب والفكر التاريخي" "أزمة المثقفين العرب" " الإسلام والحداثة" " ثقافتنا في ضوء التاريخ" " مفهوم الإيديولوجيا" " مفهوم الحرية" " مفهوم الدولة" ،" مفهوم التاريخ" ، "مفهوم العقل".....

ü العروي ( المؤرخ)

يبدو أن الشكل الثقافي المعروف به العروي هو التاريخ أو بالاحرى الممارسة التاريخية التي يحكمها بناء نظري واضح. الشيء الذي جعل أعماله في ميدان التاريخ تتميز بالموضوعية " التي يعرف محدوديتها في العلوم الإنسانية " بسبب غنى ثقافته في المناهج والابستملوجيا. ومن بين أعماله المتفردة في التأليف التاريخي نذكر: " الأصول الاجتماعية والثقافية للحركة الوطنية بالمغرب (1830-1912) " تاريخ المغرب: محاولة في التركيب "" " مجمل تاريخ المغرب " " مفهوم التاريخ" ""

لا يسمح المقام والهدف هنا للغوص في مضامين هذه المؤلفات, وسنكتفي بعرض دعوة العروي بإيجاز إلى التجديد التاريخي بالمغرب, وهي دعوة يعتبرها محدودة الأهداف والوسائل حسب ظروف البلاد, وهذا التجديد التاريخي يستلزم بعض الضروريات: كتأسيس مدرسة وطنية للحفريات , وإقرار دراسة اللهجات , والتعرف بعمق على الإلكترونيات... والأساس في كل ذلك خلق ذهنية معاصرة لدى المؤرخين المغاربة يقول: " إن البحوث التاريخية عندنا متوفرة, ومن السهل دراسة التاريخ بدون وعي تاريخي , ومن هذا المنطلق سوف لن يكون أي اختلاف بيننا وبين أسلافنا : الأجداد يجمعون,الأولاد يستهلكون, والأحفاد يحكون". وهذا التكوين المقترح في نظره " سيخلق حتما نظرة جديدة إلى صيرورة التاريخ, والى الحقبة كوحدة زمنية متميزة " " وحدة نظرية مستنبطة بعد دراسة الشواهد بواسطة كل التقنيات المستحدثة " كما أن مشروع تجديد تاريخ المغرب , مشروع يوازي في العمق تحديث المجتمع ككل بتوفر العلم والتكنولوجيا, حيث يرتفع مستوى البحث , ويتهيأ الذهن للإبداع والتطبيق. وان التأليف التاريخي سيكون جماعيا ( تعاون بين التخصصات ) لتلافي الخيال المفرط والنسبية المطلقة.

ü العروي ( الأديب )

ثمة خصائص تميز ثقافة الرجل وفكره أهمها خاصية الوعي بحدود الملكات والقدرات الذاتية. فهو يشعر دائما بان ذاته تنشطر إلى ملكتين متناقضتين: ملكة القلب والعاطفة , وملكة العقل أو الفكر. ولعل ذلك ما يبرر انشغاله بالملكتين معا , لكنه يؤكد دائما على ضرورة الوعي بمحدودية التحليل العقلاني وبحدود الإبداع الأدبي.

في حوار بينهما بمجلة الكرمل العدد11/84 ص 179 تحت عنوان العروي يرد على سؤال محمد بنيس " الحقيقة أنني أردت إن اكتب الرواية قبل إن أكون مؤرخا. جاءت الظروف ودفعتني إلى كتابة التاريخ أو النقد الإيديولوجي. لكن الدافع الأصلي منذ البداية كان هو الميل إلى الكتابة الروائية...وحين اسأل ما هو الغرض من كتابتك للقصة؟ فلابد أن أجيب بان الغرض منها هو التعبير عن شيء لا اعبر عنه بالتحليل العقلاني ".

ابتداء من منتصف الثمانينيات أصبح العروي يدرك – وكان دوما في شبابه وفي كهولته مهتما بالأدب والفنون - قيمة التعبير الأدبي في إظهار الشعور واستبطان اللاشعور فقد أدرك منذئذ أن الأدب يمتلك قدرة أعظم في تمثل الأشياء على حقيقتها, والنظر إليها في واقعيتها وبساطتها بعيدا عن العقل والإيديولوجيات. كما أن اكتشافه للإبداع الأدبي يعني اكتشاف دور الرغبة ووظيفتها في التعبير عن الأحاسيس والمشاعر. وبعبارة أخرى اكتشاف لوظيفة اللغة داخل اللاشعور في تكوينه وتحديد بنيته.

ومن مؤلفاته في هذا المجال نذكر: " الغربة/اليتيم" " الفريق" " أوراق: سيرة ذاتية لإدريس" وهي الرواية التي كشفت عن آرائه وعبرت عنها خصوصا وأنها طرحت بوضوح العديد من القضايا الفكرية والفنية التي شكلت الهاجس المركزي لانشغالاته في كتاباته التنظيرية.

ü العروي ( التاريخاني )

لا نريد إغراق العرض بتفاصيل هذه النزعة, وإنما نريد إعطاء لمحة عامة ومركزة عن هذه الظاهرة التي أصبحت تبدو اليوم من المسائل الشديدة الراهنية لكونها تعيش لحظة تاريخية جد متميزة على الصعيدين الفكري والسياسي.

ترتبط التاريخانية على الصعيدين الفكري والمعرفي بتطور العلوم الإنسانية التي أصبحت تحتل المكانة الرئيسية في أهم القضايا المتعلقة بالإنسان.وادعاؤها الأحقية المطلقة في الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بمجال الفعل الإنساني, وإقامة أنساق تفسيرية تبدو صارمة المنطق وقادرة على استيعاب كلية الوقائع باعتبارها اتجاه فلسفي أو حسب العروي " فلسفة كل مؤرخ يعتقد أن التاريخ هو وحده العامل المؤثر في أحوال البشر. بمعنى انه وحده سبب وغاية الحوادث " يقول بوركهارت " أصبحنا لا نفهم أيا من شؤون الماضي إلا إذا عدنا بذهننا إلى ظروف نشأته واستحضرنا الأسباب " وهذا الموقف وان بدا بديهيا اليوم فانه لم يكن كذلك قبل الثورة الفكرية التي ساهمت في اكتشاف مفهوم التطور.

أما على الصعيد السياسي فهي مرتبطة بما يشهده العالم اليوم سياسيا من انهيار إحدى التجارب السياسية والفكرية الأكثر تاريخانية بتعبير " بوبر " . وهو النظام السياسي والاجتماعي المستند إلى النظرية الماركسية التي تمثل إلى جانب كونها نظاما سياسيا واجتماعيا. نظرة ورؤية للحياة والتاريخ والتي جعلت من نفسها تتويجا لمسار التاريخ ذاته.



v قراءة في "مفهوم التاريخ" الجزء الأول:

في سياق النقاش المؤسس حول أطروحة " نهاية التاريخ" لفوكوياما, أصدر العروي كتابا في جزأين تحت عنوان " مفهوم التاريخ " عن المركز الثقافي العربي ( بيروت/البيضاء ) 1992 . والكتاب يحتوي على مدخل وستة أقسام وخاتمة , موزع على 425 صفحة.

تعرض المؤلف في الجزء الأول لما سماه " الألفاظ والمذاهب " وهو الشق المتعلق بالهيكل العام للدراسة موزع على 4 أقسام يتضمن 10 فصول. بينما خصص الجزء الثاني " للمفاهيم والأصول « وهو الشق المفاهيمي من الدراسة, حيث قسمه إلى قسمين موزعان على 4 فصول."

معلوم أن العروي ومنذ " الايدولوجيا العربية المعاصرة " عندما يصدر كتابا فان ذلك يمثل حدثا ثقافيا حقيقيا بالنسبة للمثقفين والمهتمين بشؤون الفكر والبحث. ليس فقط لأنه صاحب دعوة, وإنما أيضا للجانب الموسوعي لفكره, ولعمق تحليلاته. ومن تم قد يتفق المرء معه أو يختلف, لكنه يبقى نصا لامناص منه بالنسبة للفكر العربي المعاصر.

يستهل المؤلف الجزء الأول بمدخل تمهيدي تحت عنوان " هل للتساؤل معنى؟ " وهو تساؤل مشروع يطرح فيه العديد من القضايا والإشكاليات التي تؤرق الباحث/ المؤرخ. كالقصد من صناعة كتابة التاريخ؟ , وإمكانية إتقان التاريخ بالمحاكاة, والجدوى من ترجمة المؤلفات المهتمة بالمنهجية أو فلسفة التاريخ. أو تاريخ التاريخ بانفصال مع أصولها المعرفية, والجدوى أيضا من تأليف كتب تحمل عناوين:

فلسفة التاريخ الإسلامي, أو المنهج الإسلامي في محاولات يائسة تسقط الخاص على العام . أو كتابات الاكاديمين الآخذة بمناهج غربية دون تحديد لزمانها أو مكانها, وعدم وضعها لتلك المناهج في إطار التغيرات التاريخية. ليخلص إلى نظرته في صناعة التاريخ وهي " وجود أو انعدام وعي تاريخي, وهو ما يتعلق بذهنية العموم لا بإنتاج المؤرخين المحترفين, كما أن صناعة المؤرخ هي المساهمة في رفع مستوى الوعي لا عند المؤرخ بل عند المواطن."

يسعى العروي إلى إبراز الفرق الشاسع بين مفهوم التاريخ لدى المفكرين المحترفين المعاصرين في البلدان المتقدمة حيث لا يمثل التاريخ عندهم مجموع الأحداث الواقعة في الماضي ويرويها المؤرخ كما وصلت إليه, وإنما يعني عندهم تركيبة معتمدة على وثائق( شواهد ) عديدة, ويصبح الماضي بالنسبة إليهم عبارة عن عملية استنتاج وليس عملية ملاحظة. وبين النظرة التقليدية للتاريخ التي لا تعطي أهمية للمؤرخ ولا للحاضر وتنتقل مباشرة من الماضي إلى المستقبل عن طريق رواية حكايات تحكي ما مضى وعما سيحدث في المستقبل.

يتناول المؤلف في كتابه أيضا كل ما يتعلق بالكتابة التاريخية. ابتداء من مفاهيم الحدث, والوثيقة( الشاهدة) والنقد إلى الاسطوغرافيا المعتمدة على الخبر والعهد.... كما توقف كثيرا عند ما اسماه بمنطق المؤرخ ومنطق التاريخ مع نقاش مستفيض حول دلالة التاريخانية.

نهج المؤلف في كتابه منهجا استقرائيا " لا يقول عن التاريخ إلا ما قاله ويقوله المؤرخون الممارسون بكل وعي لصناعة استحضار حوادث الماضي " على أساس " أن التاريخ هو الماضي الحاضر. ماض بحوادثه, حاضر بشواهده في ذهن من يروي " وهذا الاختيار المنهجي يفرض " البقاء وباستمرار في سجن اللحظة والموقف ". غير أن هذا الحرص المنهجي – الاستقراء – يتطلب مسالتين: تتعلق الأولى بتفضيل الحاصل وان كان غير منسق, على تطور منسق غير حاصل. وتتعلق الثانية بعدم التساهل في النمذجة أي عدم إطلاق النعوت والصفات على المؤرخين والمدارس. ويفضل مقابل ذلك اختيار قاعدة تعاد على ضوئها النمذجة وتتماشى مع الهم الاستقرائي, وهي تعامل كل مؤرخ مع الوثيقة بمعناها الواسع (الشاهدة ) عوض الانطلاق من اختيارات معلنة ( أنماط تعليلية ) . ولن يتأتى ذلك إلا بوضع كل مؤرخ ضمن الجماعة التي يقول انه ينتمي إليها, أو بمعنى آخر النظر إلى المنهج المطبق فعلا من طرف المؤرخ أولا, ثم استخلاص فلسفة ضمنية لنعته بها ثانيا.

خلاصة القول ترتقي كتابات العروي من مستوى التاريخ إلى مستوى التفكير النقدي. فحيث يتخذ عمل التاريخ طابع الجرد والإحصاء للتيارات والمذاهب المختلفة, يسعى عمل التفكير النقدي لكي يكون على العكس من ذلك عمل تساؤلات ومراجعات مستمرة لأوجه النظر المعروضة أمامه. وحيث يكون هم الأول إرجاع الآراء والمواقف العديدة إلى تيارات ونزعات, يريد الثاني من ذلك الفكر أن يكون جوابا على الأسئلة التي يطرحها على المثقف واقعه الحالي الذي يعيش فيه. ومن تم فهو يريده حيا حاضرا, يحاوره حول المشكلات السياسية والاجتماعية والفكرية التي يحياها ويسعى إلى إيجاد الحلول الملائمة لها.

وعموما تجنح كتابات العروي إلى التجريد والغموض والاضطراب, كما أنها تصبح عرضة لأكثر التاويلات تعارضا. وتناقضا وبحكم منطقها ذاته تدخل في مجال الايديولوجيا وربما لهذه الأسباب يفضل العروي الرجوع المستمرالى القضايا الأصلية والأولية بقصد الشرح والتوضيح سالكا في ذلك نوع من البيداغوجيا التي تمزج بين العرض التحليلي التعليمي, والاستخلاص التركيبي التنظيري. أضف إلى ذلك أن كتاباته تمارس على القارئ/ الباحث نوعا من التأثير, فعوضا أن تساهم في تبديد الغموض ودفع الالتباس. تساهم في الغموض النظري وتشارك في التعتيم.



v الاسطوغرافيا: التاريخيات أو أنواع الكتابة التاريخية

الاسطوغرافيا هي القسم الثالث من كتاب مفهوم التاريخ الجزء الأول. وهذا القسم موزع على 8 فصول يبتدئ بالتاريخ بالخبر وينتهي بالتاريخ بالمفهوم. وقبل استعراض محتويات هذا القسم وجب تحديد معنى الاسطوغرافيا, ومجموعة أخرى من المفاهيم المهيكلة لهذا القسم.

ü مفهوم الاسطوغرافيا: تحمل الكلمة معنيين: فهي تعني بالمعنى الضيق, مجموع نتائج الدارسين للكتابات التقليدية أي كل ما كتب وقيل في شؤون الماضي, وهذا المعنى يحيل إلى المضمون. أما بالمعنى الواسع فالكلمة تعني دراسة طرق البحث والاستقصاء, ويشير هذا المعنى إلى الشكل أو المنهج. أي إلى المظهر الخارجي.

تهدف الاسطوغرافيا إلى استنباط مفهوم التاريخ عند المؤرخين وذلك بتمييز أنواع الكتابة بأنواع الشواهد المعتمدة.إلا أن المشكل المطروح هو نقطة البداية ( البدوة في تعريف العروي ) في عرض التاريخيات, أي البحث عن اصل مفهوم التاريخ. " إذ منذ بداية الكتابة التاريخية والبحث يجري حول الأصول والأوليات عبر خط متصل داخل التأليف التاريخي يربط أخبار البشر بأحوال الطبيعة, وهذا الخط المتصل يبدأ بالتاريخ المروي حسب القبائل والشعوب ( الاثنيات) والمحفوظ في الذاكرة. وينتهي بالتاريخ بالمفهوم." وانسجاما مع هذا المنظور يجعل المؤلف الخبر المسموع – التاريخ كرواية سمعية- قبل التاريخ المكتوب ويجعله على راس قائمة الاسطوغرافيا.

ü مفهوم التاريخ: يعني سلسلة الوقائع الماضية أي مجموع الأحداث الواقعة فعلا. ويعني في نفس الوقت الكيفية التي تسرد فيها تلك الوقائع. ولا يصبح الحدث حدثا إلا بالوصف, ولا تعرف الوقائع ولا تلمس إلا بالسرد شفويا كان أم كتابيا, كما لا يمكن تصور وصف يطابق الحدث الواقع كامل المطابقة.

في هذا التعريف يميز العروي بين مسالتين: التاريخ كمجموع أحوال الكون في زمان غابر وينعته بالشيء

ومجموع المعلومات حول تلك الأحوال وينعتها بالتصور. وتأسيسا عليه فالتاريخ بهذا المعنى هو دراسة لوقائع الماضي( التنقيب على الوثائق, طرق النقد والتحقيق, فنون السرد...) وهو أيضا نظرة جماعية شاملة يلقيها مجتمع ما على مجموع حوادث الماضي, وبمعنى آخر هو تقنية من تقنيات المعرفة وفي ذات الوقت هو وسيلة تقيم الحاضر وتحديد المستقبل. " إذ ليس التاريخ دراسة للأحداث فقط بل هو دراسة النظرة إلى تلك الأحداث". وهذه النظرة لا تستنبط إلا من الرواية التاريخية ذاتها. أي من الكيفية التي يكتب ويدرس بها التاريخ عمليا, ومن هنا فالمؤرخ لا يصف الماضي كماض وإنما يصف الماضي المستحضر في الذهن.

الماضي التاريخي إذن هو عالم ذهني مستنبط من الآثار( الشواهد) القائمة. لذلك فموضوعه هو الماضي الذي هو حاضر, وكل رواية عن حالة ماضية هي عملية استحضار" بدون حركة "

عند تحديد مفهوم التاريخ, تتداخل في الأذهان جملة من المفاهيم: كمية معرفية ناتجة عن تزايد الكشوف في المحيط الطبيعي, وكيفية منهجية متعلقة بالوسائل الاستنباطية وهذه المفاهيم خاصة بالمؤرخ." وإذا كان التفكير اليوم في مفهوم التاريخ لا يكتفي بفحص الصناعة, بل التساؤل عن البداية والنهاية, المصير, الزمن... وهذه مفاهيم فلسفية. فان كل بحث عن أي من هذه المفاهيم يعتبر مساهمة في توضيح معنى التاريخ." وانطلاقا من هذه القناعة يعد التاريخ مجالا للحرية ( عدم التقيد بعقيدة أو فلسفة مسبقة) ومجالا للسياسة( ارتباط الفكر بالعمل والممارسة). وكل عمل تاريخي هو عمل ناقص بدون معرفة نتائجه, وكل حكم في التاريخ قابل للاستئناف.

ü مفهوم المؤرخ: المؤرخ هوالانسان الكائن في التاريخ الواعي به ,الذاكر لمتغيراته. فكما لا يوجد فرق بين التاريخ الوقائع( التاريخ الفعلي) والتاريخ الإخبار(التاريخ المروي) فلا ينفصل كذلك المؤرخ عن التاريخ فهما متلازمان.

المؤرخ هو الذي يقوم بتحويل الحدث إلى مادة تاريخية, ويضعه في تسلسل زماني معين عن طريق البحث عن اثر الحدث(الشاهدة). والحدث التاريخي هو في الواقع حدث المؤرخ, أي انه نتيجة بحث وتحقيق. وإذا كان لكل مؤرخ منحى في التعامل مع التاريخ- ذهنيته, توجهه الفكري, منطقه الخفي- فان الوعي بالتغيير والفعل و الممارسة هما الصفتان المميزتان لكل مؤرخ.

ü مادة التاريخ: ليست الحادثة, والا اختزل الأمر في التاريخ الوقائع, وليس الوثيقة, والا اختزل الأمر في عمل المؤرخ. وانسجاما مع الموقف السابق فمادة التاريخ هي الحادثة- الوثيقة وبينهما عملية النقد كرابط.

ü - الحدث: ليس معطى بل هو نتيجة وهدف يأمل المؤرخ الكشف عنه من خلال الوثيقة. وكل مؤرخ يكون حدثا تاريخيا بما لديه من معلومات مستخرجة من الوثائق. وفي الحدث يميز العروي بين الحدث الطبيعي ويسميه واقعة, والحدث البشري ويسميه عمل.

ü - الوثيقة: هي اثر الحدث, إذ أن كل واقع ماثل أمام المؤرخ ليس بحدث بل هو أثره, ولا وجود لوثائق مجردة.إذ كل ما هناك وثائق متميزة هي عبارة عن رموز والغاز(بقايا حجريةاو حيوانية ونباتية, مخطوطات ورسائل وتقارير, مسكوكات...) تمثل من جهة بقايا إنجازات الماضي, كما تمثل من جهة ثانية شهادات عن واقع. ويضاف إلى هذه الأنواع الرواية الشفوية.وكل هذه الأنواع من الوثائق تتطلب مهارات وتخصصات تسمى علوما مساعدة, قد تكون مباحث جزئية (الشارات, الموازين, الألقاب...) وقد تكون علوما قائمة بذاتها تساعد المؤرخ على فك ألغازها.

ü -الشاهدة: أصبح معنى الوثيقة ضيق بالنسبة للمحتوى الموجود في الذهن عندما توسع مفهوم التاريخ بتوسع وتنوع الوثائق, ولهذا السبب يفضل العروي كلمة شاهدة التي تجسد بدورها المعنيين: البشري

( شهد-شاهد) والطبيعي(شاهد القبر) ويعرفها بكونها كل أنواع مخلفات الماضي مهما كانت أشكالها وموادها ومنافعها. وكل شيء قابل للتحول إلى شاهدة, وتختلف الشواهد حسب الحوامل والصناعة, والمعنى الظاهر, والإشارات الخفية....

ü - النقد: ليس هو الفهم أو المقارنة أو الترتيب. بل النقد هو كل ما يدخل في ابستمولوجيا عامة . تفكك الشاهدة إلى عدد كبير من الأجزاء وترد كل الأجزاء إلى إطار اصلي, والتفكيك وما يتبعه من تجميع هو جوهر نقد المؤرخ. فمثلا تلتقي وتتقاطع في مسكوك واحد إطارات وتخصصات مختلفة منها ما هو خاص بالكتابة, والآخر بالمعدن, والشارات, والصورة, والألقاب...

ü -المنهج التاريخي: هو كل عمل يبدأ بطرح أسئلة توجه الباحث إلى التنقيب المنظم والمكثف والجماعي على وثائق من نوع جديد- مخلفات مادية- كالتساؤل حول ماهية الحدث, وماهية الوثيقة, الشاهدة, النقد, دور الماضي في فهم الحاضروالعكس... وهذا العمل من شانه إبداع وابتكار نظرية تفسيرية صحيحة, لان كل نظرية صحيحة هي في الواقع رهينة باكتشاف نوع جديد من الوثائق.

يتميز المنهج التاريخي عن المنهج الطبيعي بكون الأول يتعامل مع وثائق مكتوبة ومقصودة, والاتجاه نحو إثبات صحتها لفهم القصد عن المحافظة عليها. وهذا المنهج يهدف إلى تربية الوجدان.أما المنهج الطبيعي فهو يدرس مخلفات غير مقصودة محاولا تحديد زمانها واستنتاج معلومات حول الإنسان ومحيطه الطبيعي, لذلك فالهدف هنا هو المعرفة وحدها.

عرف المنهج التاريخي تجديدا, نتج عن تقدم العلوم الاجتماعية كالاقتصاد والسوسيولوجيا, وعلم النفس والعلوم الدقيقة كالفيزياء النووية, والبيولوجيا, والالكترونيات. والفلسفة كالابستمولوجيا والنقد الثقافي. وتتميز مدارس المؤرخين عن بعضها بتأثر كل واحدة منها بمنهجية علم من هذه العلوم.

v أنواع الاسطوغرافيا:

ü 1- التاريخ بالخبر

الخبر هو الوصف الشفوي للواقعة. مادته هي الكلمة( اللفظة المسموعة) والكلمة شاهدة من بين الشواهد.

وبما أن التاريخ بالخبر هو تاريخ الأحداث المبني على المرويات المتوارثة شفويا عبر الأجيال, فهو أيضا تاريخ الإنسان الناطق الذي يخلف في كلامه شواهد كثيرة عن حياته.

كل المرويات مكونة من لهجة, ومفردات, وتراكيب, ودلالات. لذلك فهي لا تفهم إلا في نطاق اللغة. وكل لغة تدل على فكر وعقيدة وسلوك اجتماعي, فهي مستودع تجارب وماضي المجموعة الإنسانية الناطقة بها, وتفرض على من يستعملها مضامين كثيرة تحملها في تراكيبها وفي مفرداتها.وإذا لم تتعاكس-أي خلقها من جديد- فانه لا محالة ستعبر عن واقع اللغة, أي ما اختزن فيها من تجارب الماضي, لا عن واقع الحاضر. وانطلاقا من ذلك فلا انفصال بين المؤرخ واللغوي.

الشفوي متعلق بفترة معينة من الزمان(متغير تاريخي) وهي في ذات الوقت ظاهرة ملازمة للإنسان(ثابت انتربولوجي) وفي هذا السياق تعتمد اللغة أيضا لدى الانتربولوجي لأنها في نفس الوقت لغة عامة ثابتة وكلام خاص متطور.

قراءة في كتاب " مفهوم التاريخ " د.عبدالله العروي -2 2008/6/2

v أنواع الاسطوغرافيا:

ü 1- التاريخ بالخبر

الخبر هو الوصف الشفوي للواقعة. مادته هي الكلمة( اللفظة المسموعة) والكلمة شاهدة من بين الشواهد.

وبما أن التاريخ بالخبر هو تاريخ الأحداث المبني على المرويات المتوارثة شفويا عبر الأجيال, فهو أيضا تاريخ الإنسان الناطق الذي يخلف في كلامه شواهد كثيرة عن حياته.

كل المرويات مكونة من لهجة, ومفردات, وتراكيب, ودلالات. لذلك فهي لا تفهم إلا في نطاق اللغة. وكل لغة تدل على فكر وعقيدة وسلوك اجتماعي, فهي مستودع تجارب وماضي المجموعة الإنسانية الناطقة بها, وتفرض على من يستعملها مضامين كثيرة تحملها في تراكيبها وفي مفرداتها.وإذا لم تتعاكس-أي خلقها من جديد- فانه لا محالة ستعبر عن واقع اللغة, أي ما اختزن فيها من تجارب الماضي, لا عن واقع الحاضر. وانطلاقا من ذلك فلا انفصال بين المؤرخ واللغوي.

الشفوي متعلق بفترة معينة من الزمان(متغير تاريخي) وهي في ذات الوقت ظاهرة ملازمة للإنسان(ثابت انتربولوجي) وفي هذا السياق تعتمد اللغة أيضا لدى الانتربولوجي لأنها في نفس الوقت لغة عامة ثابتة وكلام خاص متطور.

في هذا التحليل يريد العروي اتباث تقاطع علوم اللغة والانتربولوجيا والتاريخ في مادة التاريخ بالخبر التي هي" الكلمة", لكن الإشكال هو هل هذين العلمين مساعدين, أم موازيين أم منافسين للتاريخ؟ ثم أي دور للمؤرخ بخصوص هذه القضية؟

يرى المؤلف أن هذين العلمين انفصلا واستقلا عن التاريخ لما استبدلا علاقات التولد والاستتباع

( لدياكرونية) بعلاقات التلازم والتزامن( السنكرونية).والمؤرخ لا يمكنه الأخذ بنتائج تلك التخصصات ويبني عليها تفسيراته طالما أن نتائجها مرتبطة منهجيا بنفي التطور وإهمال كل اثر للزمان. فاللغة مثلا تحتفظ باثارالحدث التاريخي في بعض الحالات, لكن اللغوي لا يدرك البعد الزماني. كما أن الانتربولوجي يهمل حقيقة الواقع ولا يهتم إلا بالقالب الشكلي. وقد يستفيد المؤرخ من هذه العلوم ولكن في حدود ضيقة وبحذر شديد بعد أن يجري على المرويات الشفوية عمليات تمحيص حسب قواعد تعنى بالشهادة التي هي في الأصل دائما شفوية ومؤقتة للوصول إلى حكم ترجيحي حول مادية الحدث ونسق آثارها, متخذا منحى الكشف عن بداية التنظيمات والتشكيلات لدى المجتمعات اللغوية- الثقافية- دون توظيف نتائج التخصصات السابقة, لان منطقها مبني أصلا على اختزال الزمن.

ü -2 التاريخ بالعهد: هو التاريخ المكتوب عادة بالوثائق المحفوظة, مادته شهادات ووثائق بالمعنى الدقيق - القانوني- دون غيرها, ودون الاعتماد على الرواية. والكتابة التاريخية اعتمادا على العهود هي عنوان الانتقال من العرف إلى عهد القانون المكتوب. إذ كلما اقترب سرد الحوادث من أسلوب العقود دل ذلك على وعي متقدم بالتاريخ.

ارتبط هذا النوع من التأليف التاريخي بالفكر العلمي الحديث. لذلك فهو نقدي ووضعاني- يؤسس أحكامه على الوثيقة الملموسة- وتاريخاني – لأنه لا يعترف بالعوامل المؤثرة في التاريخ إلا بما هو مسجل في الوثيقة- وهو أيضا تقني- لان كاتبه عادة ما يكون متخصصا ومدربا على استعمال الوثائق.

يتم التمييز في أنواع العهود بين الحرف ( الرمز المكتوب) والحامل ( كل ما هو مادي يدخل في جملة الآثار المادية) وكلما صعب حل الرمز المكتوب نشا تخصص, ويستعرض المؤلف مجموعة من التخصصات يعتبرها بمثابة علوم مساعدة للتاريخ. قسم منها تقليدي وهو في تزايد مستمر سواء على مستوى البحوث أو المناهج أو الحقب أو اللغات مثل: الابيغرافيا والباليوغرافيا والديبلوماسيات والنوميسماتيات والكريبتوغرافيا وعلوم الموازين والمكاييل. وقسم جديد له علاقة بالتطور الحضاري العام مثل: علم الربائد المتعلق بالمخطوطات والمرقونات والمطبوعات, وكل ما هو مسجل على الأشرطة. وهذه العلوم لا تدرج ضمن التاريخ بالعهد إلا إذا كانت شهادات مزامنة للحدث ودالة عليه وقابلة للتحويل الفوري إلى وثائق مكتوبة. والتاريخ بالعهد لا يكتب إلا بتوفر بعض الظروف:

- اختراع الكتابة : نظرا للارتباط بينها وبين الازدهار المدني والتجاري والسياسي وما يتطلبه ذلك من استقرار وتمدن للمحافظة على العقود.

- الاستمرار والاتصال: إذ استمرار الدول يغذي الرغبة في جمع المواثيق والعهود.

التعددية: إذ بقدر ما تتعدد السلطات وتتنوع بقدر ما تتعارض المصالح وتصبح الحاجة ماسة إلى معاهدات واتفاقيات تحفظ الحقوق.

- التقدم في الميدان العلمي: ويتعلق الأمر هنا بتعبئة الوسائل المادية (آلات جمع ونسخ وحفظ وترميم العهود والمواثيق).

تجمعت هذه الظروف في القرن 19 وفي المجتمعات المتقدمة اقتصاديا وثقافيا حيث ترسخ هذا النوع من التأليف واكتشف المؤرخون قدسية الوثيقة المكتوبة بعد فحصها. ومن هنا جاء معنى النقد الذي يعني: الانتقاد/ التحقيق بالمعنى التقني وذلك بالعودة إلى اصل النص. والانتقاد/ التحقق بالمعنى الفكري أي الحذر الدائم إزاء الوثيقة. وهذا النقد بنوعيه( التقني والفكري ) وصل أوجه وتحررت قواعده خلال هذا القرن(19) ولدى المجتمعات لما نظمت مهنة المؤرخ داخل الجامعات.

كل تاريخ تتعذر كتابته بانعدام الوثائق المكتوبة هو تاريخ المؤسسات ( الدول الحروب السياسة...) أو حسب اصطلاح العروي مستوى الرجل السياسي أو الفعالية التنظيمية التي تخلف عن قصد وثائق مكتوبة بأشكال متنوعة وعلى مراحل مختلفة. وبما أنها مكتوبة ومقصودة فلا تسمح للباحث أن يذهب بعيدا في التأويل.

ü -3 التاريخ بالتمثال:

التمثال هو كل شكل استعمل عبر التاريخ للتعبير عن أشياء واحياء تهم الإنسان. مادته هي التمثال وهو شاهدة تشكيلية: (عبارة فنية ومجازية).وتختلف هذه الأشكال كما تختلف الحوامل, والأهداف المتوخاة من رسمها. والأشكال قد تكون بادية ظاهرة( الصورة/الحرف) وقد تكون مضمرة خفية( الشكل المعبر/الرمز)

وليس ثمة فرق جوهري-يقول العروي- بين الوصف بالكلمات والوصف بالرسوم لتمثل أحوال الماضي. فكما يكتب التاريخ اعتمادا على المكتوب يكتب أيضا اعتمادا على أشكال وصور موجودة في نقوش أو في صور.

في هذا النوع من التاريخ يتعالى القارئ /الباحث عن الصورة إلى الشكل المعبر, ولحل رموز هذا الشكل من الشواهد نشأت تخصصات عديدة مثل: تاريخ الفن, والأيقونات, وعلم الخواتم والطوابع والتوقيعات, وعلم الرنوك, والتصوير الجوي, والمرئيات المعاصرة...

اثر هذا الاتجاه في الكتابة التاريخية في تطور التأليف التاريخي, كما أدى إلى اتساع مجال البحث وتجديد الأسلوب. لكنه فتح المجال أيضا لكل تأويل, وهو ما أوجب وضع قوانين احترازية لكيفية استعمال التماثيل والأشكال التعبيرية كشواهد على أحداث الماضي إلى جانب الوثائق المكتوبة. وتكمن هذه القوانين في تنظيم المتاحف بداية بالنقد والتحقيق من صحة واصل الحامل إلى عملية التصنيف, ثم الإلحاق بمجموعة. لان المؤرخ محتاج دائما عند تعامله مع التمثال إلى تزكية الخبر المروي والمكتوب لتفكيك اللغز المصور من دون تأويل. وذلك للفصل بين منهج تخيلات عهد التأويل الافتراضي – الفلسفي- ومنهج عهد التحليل الموضوعي- التاريخي.

ü 4- التاريخ بالأثر الطبيعي:

الأثر هو كل سرد يستند إلى كشوف الحفريات. مادته كل مخلف مادي ملموس. والأثريات ليست علما موحدا بقدر ما هي مجموع تخصصات, وتبقى الشاهدة في شكلها الظاهر وتكوينها المادي هي عماد الباحث.

لا يهتم هذا النوع من التاريخ بالشعوب الأمية أو تاريخ الإنسان قبل الكتابة فقط, إذ حيثما ينزل الإنسان يترك مخلفات مادية متنوعة. بعضها يدل على ذوق فني أو على شعور ديني, وبعضها الآخر يدل على نمط متميز في العيش. ولهذه الأسباب فالإنسان يترك رغما عنه آثارا دالة عليه وهي مقصودة سواء في القديم أو الحديث.

تحث تأثير تقدم علوم الطبيعة في القرن 18 وما تلاه من ثورات فكرية ومنهجية تغير مفهوم التاريخ الطبيعي ليتأكد أن تاريخ البشرية أطول بكثير مما يظن, وان للطبيعة أيضا تاريخ فتحول هذا النوع من التأليف من تصنيف وصفي إلى ترتيب تطوري. فتولد عن ذلك تغيير الاتجاه من البحث عن المكتوب والمروي إلى الحفر عن الآثار.

تشكل الأثريات حاليا الصق التخصصات التاريخية بالتطور العلمي حتى أنها تبدو كعلم مستقل- وليس مساعد- وأكثر موضوعية واقل تأثرا بالأهواء. وللأثريات طرق ترتكز على الطبيعيات والرياضيات تمكن الباحث الأثري من الاستعانة بها مثل: الحفريات بالمعنى الدقيق برا وبحرا, والتحليل الكيميائي والفيزيائي للقطع المكتشفة(عضوية أو معدنية), والترتيب والتصنيف الإحصائيين للمعلومات المستخرجة من الآثار.

توسع مفهوم الأثر المادي بعد أن أصبحت عملية الحفر ثقيلة, كما تضاعفت الكشوفات إلى أعداد خيالية. ورغم دقة المناهج وضخامة الوسائل المادية المستعملة في هذه الصناعة. اثبت النقد فجوة واضحة بين قوة الاستنتاجات التي لا تهم المؤرخ وضعف تلك التي تهمه والخاصة بالتنظيم الاجتماعي والعقائد والطقوس. أي بكل ما هو بشري.

ü 5- التاريخ بالعدد:

هو اتجاه في الكتابة التاريخية يعوض الأحكام الكيفية بأنساق من المعادلات. مادته هي العدد, والعدد ليس تقنية بقدر ما يتضمن فلسفة محددة عن التاريخ والحدث والعلة. وفي التاريخ بالعدد يتم التمييز بين:

- التاريخ الكمي أو العددي أو الإحصائي وهو كل المؤلفات المكتوبة والمملوءة بالأرقام والمبيانات والجداول.

- التاريخ الجدولي وهو كل أنواع الوثائق المستعملة, أي المادة التي تغذي الحاسوب.

نتج هذا الاتجاه من الدراسات التاريخية عن ثورتين: ارتبطت الأولى بعلم الاقتصاد وظهور ما يسمى بالتاريخ الاقتصادي الجديد الذي استعار منهجية الاقتصاد الكمي. وارتبطت الثانية بتطور العلوم الدقيقة وخاصة اختراع الحاسوب الالكتروني لاستغلال معلومات رقمية هائلة, وهذا ما يفسر ظهور هذا الاتجاه بالولايات المتحدة أولا حيث استندت الدراسات التاريخية على الاقتصاد والإحصاء( عصر الثورة الرأسمالية الديمقراطية) ومنها انتقلت ثورة الكم أو الرقم وتوظيفها في البحوث التاريخية إلى البلدان التي تملك وثائق رقمية كثيرة ومنسقة كانجلترا وفرنسا وايطاليا.

ثورة العدد هي في الواقع تتويج لتطور يعود إلى ما قبل القرن 18 حيث ارتكزت فيه الأبحاث التاريخية على دراسة القاعدة الإنتاجية. ويتتبع العروي رصدها من خلال 3 مراحل كبرى:

- مرحلة ما قبل القرن 18 وتقسم بدورها إلى مرحلتين: الأولى لما تكونت الإمبراطوريات القديمة( الصين, مصر الفرعونية, روما, الخلافة الإسلامية) وقيامها بإصلاحات لأغراض جبائية. والثانية في المجتمعات الغربية بارتباط مع ثورة المعاملات التجارية ونشوء علم الاقتصاد بارتباط أيضا مع الميركنتيلية(الاهتمام بالمال) والفيزيوقراط(الاهتمام بالإنتاج الزراعي) حين حولت هذه المجتمعات الوثائق الإحصائية إلى جداول. ثم ارتباطا كذلك مع ظهور المادية الجدلية كمنهج ونظرية اقتصادية للتاريخ واكتساحها خلال القرن20 كل المجتمعات حتى تلك التي لا تملك وثائق مكتوبة.

- مرحلة أواسط القرن 19 حيث ظهر تطور آخر في هذا النوع من التأليف حيث ارتكزت فيه البحوث على قواعد الاتفاق وقانون العشوائيات بارتباط مع علم الإحصاء الوصفي, وبدا من خلال هذه العلاقات أن الرياضيات الاحتمالية التي تدرس قواعد العلاقات العشوائية( الممكنة وليست الحتمية) ممكن سحبها على تقلبات الجماعات البشرية.

- مرحلة بداية الثلاثينيات من القرن 20 وهي المرحلة التي تلت الأزمة الاقتصادية, حيث اندفع العديد من الباحثين إلى التنقيب في أخبار الماضي عن حالات مشابهة لهذه الأزمة التي بينت أن الكساد العام الناتج عن انهيار البورصة ليس من قبيل الأزمات العشرية, وفي هذا الإطار سيسطع نجم الانال وخاصة أبحاث سيميان ولابروس.

يهدف التاريخ بالعدد(خمسينيات القرن 20 في الو.م.ا) وتاريخ الإنتاج(ما قبل القرن18 إلى ثلاثينيات القرن 20) إلى نفس الغاية, كلاهما يستغل مفاهيم الاقتصاد ويوظف تقنيات الإحصاء. لكن الجديد في الأمر هو اختراع الحاسوب واستعماله في الدراسات التاريخية عن طريق إدخال العدد في ميادين غير الإنتاج المادي, وقدرته على استغلال وثائق لا تمس الإنتاج مباشرة. إذ لم يعد التعبير بالعدد يقتصر على الإنتاج, بل تعداه إلى مستوى المؤسسات والإبداع الفكري, وهذا ما تطلب توثيق جديد يعيد ترتيب وتنظيم الوثائق اعتمادا على تصنيف جدولي خاص بالمجتمعات الإحصائية /الرأسمالية التي ينطبق عليها ترتيب الوثائق الرقمية وفق 3 أنواع من الجداول:

- جداول عددية بالمعنى الدقيق. حيث توجد في كنانيش التجار, دواوين الجند, إحصاء السكان...

- جداول استبدالية حيث يستخرج جدول ثاني يصبح هو الوثيقة المعتمدة من جدول اصلي.

- جداول مستنبطة وهي لا تمس الإنتاج أو الحياة الاجتماعية مباشرة بل يتم التوصل إلى العدد بعد عملية ترقيم, أي تحويل وصف مضمن في وثيقة إلى رقم (الكمكمة)- وهي تحويل الكيف إلى الكم بتعبير العروي – عند إدخال المعلومات إلى الحاسوب.



ü 6- التاريخ بالموروث:

الموروث هو آثار التحولات التي يحملها الفرد في جسمه وخارج وعيه وضد إرادته عبر الزمن, ورموز تنقلاته عبر المكان. وكما أن الماضي حاضر في الكلمة فهو أيضا حاضر في الجسم. ومادته هي الجينة

يعتمد هذا الاتجاه على المعطيات البيولوجية. ووثيقته هي دراسة الدم البشري وتحديد الفصائل الدموية حيث سهلت هذه الوثيقة معرفة الأصل البعيد للأفراد.

ظهر هذا الاتجاه في بداية القرن20 . وفي الستينيات بزغت دراسات تصنيفية إحصائية للدم ترتب عنها توزيع جغرافي يكشف عن ارتباط كل خلل في النظام البيولوجي(الأمراض, التغيرات الطارئة على الإنسان) بالبيئة الأصلية مما سهل استخراج معلومات من التحليل الدموي حول الأصل الجغرافي لمرض ما وتاريخ ظهوره اعتمادا ليس على نوعية الدم, بل على الخلل(المرض) الطارئ عليه. وهذا الخلل هو الوثيقة الدالة على الحدث التاريخي. وانطلاقا من ذلك أصبح البيولوجي يقدم أجوبة مقنعة على تساؤلات ومشكلات المؤرخ وخاصة تلك التي لا يمكن العثور عليها في بقية الشواهد.

الوثيقة البيولوجية ليست بالجديدة –يرى العروي- وان كانت منهجيا لا تزال تعد بالابتكار والتجديد. ويضيف:" فقبل أن يتم تصنيف الأفراد حسب الفصائل الدموية, فقد تم تصنيفهم في السابق وبنفس الطرق حسب قياسات الجماجم(علم السلالات) والجديد ظهر فقط في استبدال خاصية ظاهرة كانت تقاس فيزيائيا بأخرى أصبحت تحلل كيماويا".وبتقدم العلوم وتطور صناعته, عثر على الجينة أواسط القرن 20 حيث أحدثت ثورة في ميدان البيولوجيا الجزيئية. فنتج عن هذا الاكتشاف أن ما كان افتراضيا في العلوم الطبيعية وفي تحليلات الدم أصبح برهانيا, ومن تم تحولت الطبيعيات الوصفية والتصنيفية إلى بيولوجيا حقيقية, وارتقت من مرحلة الوصف إلى مرحلة التحليل, ومن الافتراض إلى الاستقراء وهو طريق الموضوعية العلمية.

يتساءل العروي حول آفاق كل كتابة تاريخية تعتمد البيولوجيا أساسا علميا لها, وهل تستطيع البيولوجيا المعاصرة أن تستقل عن فكرة السلالية؟

يجيب الغروي بالقول أن السلالية نتجت عن السببية المطلقة(الحتمية) بينما انبنت البيولوجيا على الاحتمال والصدفة. لكن السلالية وان ظلت نظرية مقبولة طوال القرن19 إلى أن وظفت لسياسات عرقية عنصرية أفضت إلى نتائج كارثية. فتنكر لها العديد من الباحثين بدوافع أخلاقية وسياسية وليس بدوافع علمية. وبعد الحرب العالمية الثانية تنكر لها العلماء لكن لأسباب علمية. فليفي شتراوس مثلا لم ينف حقيقة السلالية كمفهوم ثقافي على الأقل, لكنه نفى التفاوت التام والدائم بين الجماعات البشرية.

ü 7- التاريخ بالحلم:

هو تحويل مصدر أو مادة تاريخية دالة على عمل تاريخي إلى حلم, وتأويله على ذلك الأساس. وهو أيضا كل حالة ترفع فيها قيود العقل سواء بالنوم أو التنويم. مادته هو اللاوعي.

ينطلق العروي في تحليله لهذا النوع من التأليف من السؤال الإشكالي التالي: هل نفسانية الأفراد هي التي تسبب الحدث التاريخي؟ أم الحدث التاريخي هو المتسبب في نفسانية الأفراد, ويترك بالتالي أثارا في نفوس الأجيال اللاحقة؟

يرى العروي أن هذا السؤال القديم عاد إلى أوربا أواسط القرن 19 ليطرح من جديد, لكن هذه المرة بصياغة فلسفية وتاريخية حول مدى تأثير تضخم المعرفة التاريخية سلبا على نفسانية الإنسان المعاصر. فهذا الفيلسوف "نيتشه" الذي يفسر أسباب اهتمام معاصريه المفرط بشؤون الماضي هو دليل واضح على الهروب من ضغط المجتمع رابطا نفسانية عصره بحقبة تدهور وانحطاط, وهي نفسانية قادرة على التأثير في مواقع التاريخ وفي تمثلها لأحداث الماضي, لذلك فهو يرى أن ليس هناك موضوعية في كتابة التاريخ.

أما المؤرخ "ج. بوركهارت" الذي يجسد في فكره نمط المؤرخ الأوربي فانه اثر دراسة فترات الضعف والانحلال, ولم يكتب عن عصر الازدهار لانه لم يكن – كما يقر بذلك- مؤهلا نفسانيا لذلك.

غير أن هذا القرن 19 وان كان عصر انحلال فلسفيا وتاريخيا فانه عرف تقدما كبيرا في علم النفس التجريبي وخاصة مع أبحاث " كارل لامبرخت" الذي يرى بان حضارة أي عصر هي وليدة معطيات نفسانية, والتاريخ هو علم نفس تطبيقي, ومفهوم الثقافة هي كل ما وراء المعارف أي أنها حالة نفسية.

في هذا الجو من السجال سينشأ التحليل الفرويدي الذي ورث إشكالية التاريخ الثقافي ( بوركهارت) والثقافة كحالة نفسية( لامبرخت) ولعل اكبر دليل على ذلك هو استعماله اسم " اوديب" للتعبير عن العقدة التي تتفجر في الهستيريا. يقول فرويد: إن اللاوعي الذي يتسبب في الانحرافات المرضية وفي ظهور أطوار غير عادية في الأفراد والجماعات هو الموروث, أي اثر الماضي المنقوش في الذاكرة والمرفوض من طرف العقل...""

يلجا المحلل النفساني- كالمؤرخ- إلى البحث عن مصدر خام يكون منه وثيقة, ويلجا إلى نفس المادة التي يستغلها المؤرخ أو الانتربولوجي أو اللغوي ( الطقوس, العادات, العقائد, الأساطير, الأعمال الفنية...) وهذا المصدر الخام لا يمثل شاهدة نفسية, إذ الشاهدة هي الوثيقة المستخرجة من المصدر في صورة أجوبة على أسئلة مضمنة في استمارة, لذلك تعد استمارة المحلل النفساني بمثابة إشكالية المؤرخ وذلك بالنبش عن منطق الرغبة وراء منطق الاقتصاد أو السياسة أو الفن...

يشكل منهج التحليل النفسي خطرا على مفهوم التاريخ باسم النفسوية, أي تحويل كل تعريف أو حركة أو عمل أو قول إلى سمة تشير إلى حالة نفسية. كما يستخف اللاوعي من الزمن ويتيه في خلط الأزمنة.

ü 8- التاريخ بالمفهوم:

هو أسلوب من أساليب الكتابة التاريخية ينعت بالفلسفة في الاسطوغرافيا. مادته هي المعنى المجسد في الواقعة المادية.

لا يختلف التاريخ بالمفهوم أو التاريخ الكامل عن فلسفة التاريخ ( فولتير) أو التاريخ الفلسفي (غيزو) فهي كلها عبارة عن تأملات حول الأحداث والوقائع. ورغم خصوصية أسلوب ومنطق فلسفة التاريخ فإنها تنتمي إلى التاريخ وليس إلى الفلسفة بمعناها التقني. كما لا يختلف هذا النوع من التأليف عن التأليف السابقة إلا بنسبة التجريد.

وعموما تنقسم مؤلفات فلسفة التاريخ إلى 3 أنواع:

- يهدف الأول إلى الكشف عن منطق باطني يوحد أغراض الحوادث ويوجهها نحو غاية هي المثل الأعلى والمعيار الأصل.ومن أعلامه اوغستين, هيغل, ماركس, كونت.

- يقارن الثاني بين الوقائع استنادا إلى مفهوم محوري يمثل قيمة( الدولة, الحرية, العدالة...) من ابرز ممثليه ماكيافيلي, فولتير, هيردر, غيزو...

- يعتمد الثالث الاستقراء ويبحث عن المتواتر والدوري في أحوال الشعوب والأمم.ومن أعلامه توينبي, والفرد فيبر

أما سمته العامة فهو الكشف عن قوانين تنطبق على كل الأمم, ويروم تحرير تاريخ تام, متنوع الصور والأشكال, موحد الجوهر. هدفه توضيح وحدة المصير, إذ لا يكتب تواريخ أفراد بل تاريخ جماعة ( حضارة, امة, دولة, طبقة...) والجماعة لا تكون تاريخية إلا إذا تجسدت في فكرة (حرية, عقل...) فتكتسب تلك الفكرة صفة القيمة. أي المفهوم المجسد أو المضمن في الحدث. والذي يبدو وكأنه المحرك لكل تطور, يسير على خط مصيري قد يكون صاعدا أو منحدرا أو دورانيا أو حلزونيا.
avatar
MOHAMED BALLAJ

عدد المساهمات : 202
تاريخ التسجيل : 27/03/2012
العمر : 38
الموقع : مشـــــــــــرف عــــام

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى